حسن الأمين

59

مستدركات أعيان الشيعة

* ( منهم ما كانوا يحذرون ) ) * ( القصص : 1 - 6 ) . ولعل ابن نباتة كان يشير بيده نحو مصر . حيث يقيم * ( « فرعون وهامان وجنودهما » ) * ثم يشير إلى الجماهير وفيها أبو الفتوح وحسان وابن المغربي * ( « الذين سيرثون الأرض » ) * ، فقد وافقت الآيات واقع الحال . ولما انتهت الصلاة عاد أبو الفتوح إلى دار الامارة ( 1 ) . 7 - وهاهنا وقفة لا بد منها ، وإن كانت تقطع تسلسل الأحداث . لقد ذكر ابن الأزرق الفارقي في تاريخه أن ابن نباتة توفي سنة 374 ونقل عنه ذلك ابن خلكان ( 2 ) فإذا صح ذلك استحال أن يكون ابن نباتة موجودا لدى قدوم أبي الفتوح إلى الرملة ، ولم تصح نسبة الخطابة إليه في ذلك الموقف . والأرجح أن ابن نباتة عاش إلى ما بعد هذا التاريخ بكثير ، وكان في الرملة حين دخلها أبو الفتوح ، فقد جاء في مرآة الزمان أنه هو الذي غسل ابن المغربي حين توفي ، وعمل بوصيته حين وضع في تابوته ألف دينار لتكون علامة للنقيب الذي سيدفنه في مشهد علي حين يصل جثمانه إلى الكوفة ، وتتعارض هذه الرواية مع رواية أخرى جاء فيها أن ابن المغربي رآه في المنام وساله : ما فعل الله بك ؟ ( وهو سؤال يدل على أن الخطيب توفي قبل ابن المغربي ولكنه من ناحية أخرى يدل على علاقة بينهما ، كما يدل على اهتمامه بأمره ويومئ إلى أنه كان قلقا على مصيره ) فقال ابن نباتة : دفع لي صدقة فيها سطران بالأحمر وهما : قد كان أمن لك من قبل ذا واليوم أضحى لك أمنان والصفح لا يحسن عن محسن وإنما يحسن عن جاني قال : فانتبهت من النوم وأنا أكررهما ( 3 ) : والشطر الأخير في هذين البيتين حيث ترد لفظة « جاني » يصور سبب ذلك القلق ، الذي كان إسقاطا من ابن المغربي على « صديقه » وشريكه في الثورة ، وهو ما يمثل حقيقة حاله هو . 8 - وكان أبو الحسن التهامي شاعر الرملة في تلك الأحداث قد اتخذ من الرملة دار إقامة ، وتزوج بها ، وتقلد فيها الخطابة ( 4 ) ، ووقف كثيرا من قصائده على المفرج الطائي وبنيه ، وأصبحت صلته بابن المغربي وثيقة ، ففي ديوانه أربع قصائد تتصل بالمغربي ( 5 ) ، ومنها واحدة أثارها عتاب ابن المغربي له لأنه تأخر في مدحه . ترى هل كانت هذه القصائد حين كان اللقاء بالرملة ، أو كانت بعد ذلك ؟ إن اشتراك التهامي في الثورة على الحاكم مع ابن المغربي أبعده عن الرملة وحكم عليه بالتنقل من بلد إلى بلد ، وأغلب الظن أن لقاءهما تم من بعد في ميافارقين والموصل إذ نجد التهامي يمدح أبا نصر ابن مروان كما يمدح قرواش ابن المقلد العقيلي بقصائد كثيرة . ومما يرجح هذا الفرض أن التهامي يخاطب المغربي بلقب « الوزير » و « الكامل » وهما لقبان حازهما من بعد ، ولا أرى أنه حازهما بمصر لأنه لم يكن حينئذ وزيرا . وتؤكد قصائد الديوان حقائق مهمة منها أن التهامي كان حقا في الرملة لما وصلها ابن المغربي ، وأنه كان يعرف كيف تصرف حسان إزاء الحاكم وقتل يارختكين ، وإلى ذلك يشير بقوله ( 6 ) : وما زلت ذخرا للإمام وعدة لكل إمام عدة وذخائر فلما جرى ما كان ، نفر قلبه لأنك نفاع إذا شئت ضائر تولي إماما ثم تعزل مثله فان تدع مأمورا فإنك آمر ومما يؤكده الديوان ذلك الطموح لدى التهامي لنيل المجد ، شانه في ذلك شان ابن المغربي . وفي الديوان قصائد قالها وهو محبوس بخزانة البنود ، مما يؤكد النهاية التي تتحدث عنها المصادر التاريخية ، وفي إحدى تلك القصائد يقول وهو مسجون ( 7 ) : لعمري لقد طوفت في طلب العلا وحالفني بر وحالفني بحر أروم جسيمات الأمور وإنما قصاراي أن أبقى إذا بقي الدهر ولو كنت أرضى بالقليل وجدته ولكن في نفسي أمورا لها أمر ومما يلفت النظر في إحدى قصائده ما يردده من قالة الناس عنه ، وأنهم يقولون إنه سجن لطلبه الملك ، مع أنه أديب محارف في عيشه ، ويختم هذا بقوله ( 8 ) : وكل بما قاله آثم سيقرا الذي قال في صحفه وليس سوى نكبات الزمان ورأي يضلل من ضعفه ومدائحه في ابن المغربي ، كسائر قصائد المدح ، في الثناء على الجود والإشادة بالنسب الرفيع ، وغير ذلك من الخصال ، ونموذجه قوله في إحدى قصائده ( 9 ) : طلق المحيا للعفاة وإنما يلقى العبوس به على لوامه تتقاصر الأفهام دون صفاته ويغض عنه الطرف في إعظامه يقظان في كسب العلاء فان ينم فكأنه يقظان عند منامه تلقى الوزارة وهي دون محله ويرى المخدم وهو من خدامه وقد انضم إلى مواليه آل الجراح ، وإلى ممدوحه الجديد ، في الثورة على الحاكم ، وكان له دور هام فيها ، وقد ذكر سبط ابن الجوزي أنه « طلب الخلافة بالشام وخرج معه جماعة ، فغدر به آل الجراح الطائيون وتقربوا به إلى الحاكم وحملوه إليه فحبسه في خزانة البنود إلى أن مات ، وقيل إن الحاكم عفا عنه وخلى سبيله » ( 10 ) ولكن ابن خلدون يورد رواية أخرى ، إذ يذكر اثنين آخرين فرا من الرملة حين أخفقت الثورة ، أحدهما اسمه سبابة ، فر إلى ديار بكر مع ابن المغربي ، والثاني يقال له « التهامي » وقد فر إلى الري ( 11 ) ، فإذا كان هو الشاعر ، فان بني الجراح لم يسلموه إلى الحاكم . وبذلك يصبح مصيره غامضا لأن أشهر الروايات في الحديث عن نهايته أن بني الجراح قاموا بثورة أخرى على الفاطميين ، واستعانوا بالتهامي ، وأرسل معه حسان رسائل كثيرة يستنفر فيها بني قرة ببرقة للثورة . فاخذ التهامي ، وسئل عن نسبته فانتسب إلى تميم ، ثم انكشف أمره فاعتقل بخزانة البنود في القاهرة ، وقتل

--> ( 1 ) ذيل تجارب الأمم : 236 - 237 وتنسب هذه الخطبة إلى ابن المغربي في العقد الثمين 4 : 73 وأنه قالها حين أراد أخذ البيعة لأبي الفتوح . ( 2 ) ابن خلكان 3 : 157 . ( 3 ) ابن خلكان 3 : 157 - 158 ( 4 ) الوافي بالوفيات 22 : 116 . ( 5 ) ديوان التهامي : 116 ، 151 ، 330 ، 536 . ( 6 ) ديوان التهامي : 252 . ( 7 ) ديوان التهامي : 435 . ( 8 ) ديوان التهامي : 435 . ( 9 ) ديوان التهامي : 435 . ( 10 ) ذيل تجارب الأمم : 236 - 237 وتنسب هذه الخطبة إلى ابن المغربي في العقد الثمين 4 : 73 وأنه قالها حين أراد أخذ البيعة لأبي الفتوح . ( 11 ) تاريخ ابن خلدون 4 : 102 .